مراجعة نقدية · مجلة تراث

أنين الناي

حمزة قناوي مجلة تراث · مارس 2026

قراءة نقدية في رواية «أنين الناي» للكاتب الإماراتي صالح البحار، وتشكلها الشكلي الهجين بين الرواية وقصيدة النثر، ومعالجتها لأزمة الاختيار بين الوطن والابنة.

ثمةُ ملاحظات أولية متعلقة بقراءة رواية "أنين الناي" للكاتب الإماراتي صالح البحار في مستوياتها السردية المتعددة، ذلك النص الذي كتب على غلافه أنه "رواية"، بينما يتخذ شكلا مغايراً من حيث التنسيق الطباعي، وطريقة السرد والحكي، فرواية "أنين الناي" تتكون من مجموعة من المقاطع، يتخذ كل منها رقماً وعنونة فرعية، بدءاً من المقطع الأول الذي يحمل عنونة فرعية: "النافذة"، حتى نصل إلى المقطع العشرين: "آخر نغمة"، وفي كل مقطع يتكرر اسم الرواية نفسه "أنين الناي"، وقد جاءت العنونة الفرعية على النحو التالي: "النافذة – ملاحظات على الهامش – حافة السر – ضوء لا يطفأ – ميثة .. أكثر من اسم – امرأة من الحنين – وجوه لميثة – ميثة داخلياً- محاولة أولى – الباب المغلق – الصمت الطويل – عودة الصوت – حديث في الضوء – دائرة الدفء – الوميض – الشك في النغمة – الزلة – الجسد يبوح أولاً – "الوطن ... كان ميثة" – آخر نغمة.

والملاحظة هنا تشملُ أيضاً تغيير المعتاد عليه في تسمية أجزاء الرواية بفصولٍ إلى مقاطع، وكذلك تسلسل الحكي عبر أسطر تتشابه مع كتابة قصيدة النثر، حتى أنه يمكن لمن يتعجل التأمل أن يظن نفسه أمام ديوان شعري وليس عملاً سردياً، وأن المقاطع وكأنها مقطوعات شعرية متتالية، هنا نرى شيئاً من تداخل الأجناس الأدبية، وهي إحدى سمات النص ما بعد الحداثي: «... إذ أن إحدى سمات النص ما بعد الحداثي مزج الأساليب والأجناس الأدبية ضمن بوتقة واحدة أطلق عليها تسميات مختلفة ومتنوعة، منها النص، والكتابة، فقد مارست ما بعد الحداثة دوراً مفصلياً في تحطيم الفواصل بين أنواع الكتابة المختلفة سواء الأدبية أو الفكرية أو حتى الفنية.»1

وعادةً ما يستخدم الكاتب التداخل بين الأجناس الأدبية لتأكيدِ تحقيق أكبر قدر ممكن من جذب القارئ، والحث على تشويقه وعلى الاهتمام بالنص، فلهذا التداخل جوانب جمالية مثلما له جوانب شكلية، إذ تفتح ذهن المتلقي بشأن تأمل الرسالة المقدمة للتأويل.

لتتضح الصورة أكثر نلخص قصة الرواية في اختزال بسيط: مؤلف مولع بالكتابة، يسكن في منزل قريب من عجوز يستهويه العزف على الناي، فيدفع الفضول الكاتب ليحاول معرفة سره، وعبر مخاتلات يتم فيها مداعبة وعي القارئ تنكشف حبكة الرواية، أو العقدة في معناها التقليدي، بتلك النواحي النفسية التي وقع العجوز فريستها في اختياراته المتداخلة بين الوطن والابنة – ميثة، ثم إخفاقه في الموازنة بينهما، فيتسبب في مقتل المقاومين للاستعمار الذين كانوا يقاومون معه، وكذلك لا يفلح في إنقاذ ابنته، ليعيش عمره طريد شعورين قاتلين: اتهامه بالخيانة من قِبل المقاومين، ومكابدته مسئووليته عن عدم إنقاذ ابنته بالذهاب بها إلى المستشفى في الوقت المناسب، أمام ابنه وزوجته، فيكون المتنفس الوحيد هو الناي، الذي يخرج مختصراً ذلك الوجع الداخلي، وما كان هذا ليمر على فضول الكاتب، الذي التقط كل ذلك وقدمه لنا في رواية "أنين الناي".

هذه اللافتات الإرشادية التي تعمل كعناصرَ جوهرية لتوجيه عملية التأويل، ترى إلى ماذا تؤدي؟ وما الذي تخدمه في النص؟ ما الهدف الأساسي الذي تعمل عليه هذه الحيل الروائية؟ لنستطيع أن نجيب عن هذا السؤال علينا أن نسأل أنفسنا: أين الراوي في هذه الرواية؟ هل المؤلف الذي يكتب لنا هذه النصوص من خارجها؟ أم ذلك الذي يكتبها من داخلها؟ إن وعي الراوي هو إحدى النقاط الجوهرية المؤثرة في وعي المتلقي، والراوي- شاءَ أم أبَى- ينشئُ علاقة بينه وبين المتلقي، هذه العلاقة متفاوتة الحدة بين الحيادية المطلقة، أو العلاقة ذات الضغط على وعي المتلقي بحيث لا يرى ولا يستنتج ولا يفكر إلا بالطريقة التي يفكر بها الراوي، فهو لديه قدرة هائلة على التدخل في قواعد الحكي2، ومن منظوري فإن أحد أهم الأدوار التي لعبتها العنونة الفرعية المتتالية هنا، هي الحد من إظهار توجيه الراوي، بحيث يبدو الأمر وكأن القارئ هو من يقوم بعملية اكتشاف شخصية العجوز الذي يعزف الناي، وهو من يقوم فعلياً بمغامرة معرفة الأحداث.

يتميز النص الروائي بأنه أكثر النصوص التي تسمح بإظهار المخزون الثقافي لدى المؤلف، فخلف كل عمل سردي تكمن كمية هائلة من المعلومات التي يقوم المؤلف باختزانها مسبقاً، ثم عبر التقديم السردي يتم استعراض هذا المخزون3، ومن الواضح هنا وجود مخزون وتذوق موسيقي هائل لدى المؤلف، عمل على استثماره عن طريق وجود بطل مخفي من أبطال الرواية، وإن كان أبطال الرواية هنا هم من النوع الذي يطلق عليه الـ Anti-Hero”"، أي اللابطل، ذلك المهزوم في مواجهة الحياة، والمهزوم من نفسه ومن العالم من حوله، فإن البطل الحقيقي غير المهزوم هنا هو "الناي"، الناي هنا هو شخصية محورية، عبر نغماته تحدث عملية الاكتشاف، والدلالة تكتسب أبعاداً أخرى، وعبر عملية التذوق السمعي التي يقوم بها المؤلف/ الراوي، يتم تقديم الحكاية رويداً رويداً إلى وعي القارئ؛ نحن لسنا أمام حالة من التداخل بين الأجناس الأدبية فحسب، وإنما أيضاً أمام حالة من التداخل بين الحي وغير الحي، المادي وغير المادي، البشري وغير البشري، من أجل إنتاج حالة وعي عالية بالقضية الجوهرية التي يرغب المؤلف في بثها للقارئ.

من التاريخ الضارب في القدم، تبرز مواجهة الاستعمار والجوانب الوطنية كأحد أركان الرواية الأساسية التي ينوه بها المُؤلِّف، كم من روح عزيزة قد هانت في سبيل مواجهة المستعمر، وكم من تضحيات بذلت، يستعيدها المؤلف هنا سريعاً، ومن بين هذه الحكايات التي يصعب توثيقها في رواية واحدة، تبرز حكاية عازف الناي بتناقضاتها، بوصفها حكاية تكمن في أعماق النفس البشرية، إنها حفرية في عالم البشر، عندما يصبح لدى الإنسان قيمة عزيزة على نفسه وقلبه، أيهما يختار؟ وكيف يختار؟ هل يختار إنقاذ ابنته من المرض؟ أم يختار إنقاذ الوطن من المحتل؟ أين يحارب؟ وكيف يختار؟

المسألة بها جانب كبير من الرمزية التي يمكن تأويلها تأويلات متعددة، ومن حيث البنية الخاصة بالنص الروائي / السردي / المتخذ قالب الأسطر المتتالية هنا، فإن الرمزية- مثلها مثل العنونة، مثل الوصف المباشر والطرح المتوالي للأحداث المغزولة بنسيج من العاطفية، تلعب دوراً كبيراً في تحقيق إبداعية الرواية، وعند التدقيق نجد أن الرواية هي من روايات الهوية الإماراتية، التي تتغلغل في وجدان الذاكرة الإماراتية الجماعية، بأحداثها الضاربة في التاريخ، وكذلك تحفر في أعماق النفس البشرية بصراعاتها اللانهائية، وفي حالات اختياراتها المتضاربة، وهنا يصبح السرد التقليدي غير قادر على تقديم هذه الصراعات وطرح المضامين في حساسيتها المختلفة، ومن ثم كان التجديد في القالب الشكلي له دوره المهم في عملية توصيل الدلالة المتضمنة.

صوت الناي إذاً ضمير المتكلم، ورمزية الجذب والتشويق، وسرمدية الحزن العميقة المتغلغلة في النفس، جراح وندوب الماضي التي ترفض أن تندمل، ويبقى اللحن أثراً عليها، والسارد الراوي ليس مدعياً معرفته ببواطن الأمور، بل هو مكتشف لأعماق الحكاية تماماً مثل القارئ، نشعر بشيء من الحزن لدى الراوي أيضاً، نشعر بحالة من وجود أحداث متوارية، ما سر عزلته؟ ما سر وحدته؟ هل هناك حكاية أخرى مختبئة خلف الراوي مثلما أن هناكَ حكايةً كانت مختبئة خلف الرجل العجوز؟

ورغم أن الخط الحكائي للرواية خط مستقيم، ما بين الإحساس بوجود لغز كامن خلف ذلك العزف الفريد، ثم محاولات استبطان السر المخبوء، والصبر على محاولات الرجل العجوز في التملص من محاولات التقرب والتودد، ثم إعراضه عن محاولات البوح بما ورائه من سر، ثم الانهيار العاطفي مرة واحدة، في عملية أشبه بعمليات التطهر الأرسطي، لكي يكشف دفعةً واحدة في المقطع التاسع عشر كافة الأسرار المخبأة، إلا أن هناك مستويات عديدة للزمن في ثنايا الفضاء النصي، فالزمن في الحقيقة هنا متعرج، يضرب بين الأمام والخلف، بطريقة تجعل القارئ مجبراً على الانتباه الدائم، وعدم التفلت من أسر التشويق الذي يظهر في عالم الرواية.

إن الرواية في جوهرها تطرح المفارقة بين الألم والندم، وعدم القدرة على التوفيق بين الاختيارات المتعددة، بين أن هذه المفارقة النفسية لو أردنا أن ندقق فيها، لوجدناها مفارقة تتعلق بالإنسان المعاصر أكثر مما تتعلق بالإنسان القديم، فنحن الآن من يعيش هاجس الاختيارات في ظل أزمة الحياة المعاصرة، أيهما نختار؟ الأسرة أم الكفاح من أجل توفير متطلبات الأسرة؟ الابنة أم مواجهة الخطر الذي يهدد مستقبلها؟ هل نعيش حالة من حالات الأزمة النفسية العامة العابرة للأوطان والمكان والزمان والقوميات في وقتنا الراهن؟

ماذا لو أن عصر التكنولوجيا المعاصر هو نوع جديد من أنواع الاستعمار؟ ويحتاج لنوعٍ جديد من المواجهة؟ ماذا لو أن هويتنا في خطر فعلاً؟ ماذا لو أن الحكاية ذات الشجن التي نقرأها على أنها وقعت لشخص غريب، هي حكايتنا نحن جميعاً، نحن جميعا نقع بين اختيارين أحدهما يسبب الألم، والآخر يسبب الندم، بشكل يومي في حياتنا المعاصرة، ومن ثم تصبح الرواية ليست مجرد استعادة لتاريخ قديم، أو تشخيصٍ لحالة خاصة، بل تصبح تعبيراً واقعياً كبيراً عن قطاع عريض من البشر يحيا حياةً ملؤها القلق، وباعثه الاختيار.

شاعر وناقد مصري مقيم في الخارج

  1. - حيدر علي الأسدي: تداخل الأجناس الأدبية وأثرها الجمالي في النص المسرحي العربي، دار أمجد للنشر والتوزيع، الأردن، 2019م، ص79
  2. - د.محمد مفتاح: دينامية النص تنظير وإنجاز، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1990م، ص51
  3. - إدريس الكريوي: بلاغة السرد في الرواية العربية، دار الأمان، الرباط، 2014م، ص 338
كل المقالات