مراجعة نقدية · ندى أنسي الحاج

أثواب العشق

حمزة قناوي مجلة تراث

قراءة نقدية في ديوان «أثواب العشق» للشاعرة اللبنانية ندى أنسي الحاج، تتأمل توظيفها للسرد داخل الشعر واستقراءها الكوني لرحلة الإنسان من الميلاد إلى الفناء.

عند محاولة استقراء الطبيعة الإبداعية لديوان الشاعرة اللبنانية ندى أنسي الحاج، والمعنون بـ«أثواب العشق»، نتساءل: ما الذي يميز هذا الديوان ويمنحه شاعريته الخاصة؟ ما الذي جعل المطران جورج خضر يقول عنه في مقدمته: « نزلَ الشعر عليها كمائدةٍ من السماء. هي تطيع الكلمات التي انسكبت. والكلمات تقول العشق الذي يرفعها إلى الضوء.»1، وقد تختلف الإجابات حول تحديد أسباب الشعرية بحسب المنظور والتلقي الخاص بكل قارئ، فلكلٌ حكمه وتذوقه الخاص للديوان، وفي تصوري فإن ما يمنح الديوان تميزه طريقةُ التشبيه والتحليق الإبداعي القائمُ على نوع من المغامرة في مغايرة للمألوف في تشكيل وتكوين الصورة، بالإضافة إلى الاستقراء الكوني، وتأمل حياة الإنسان ورحلته في الحياة، هل نحن إزاء ديوان فلسفي؟ أم ديوان عاطفي؟ أم إزاء تنويعةٍ من المشاعر المتداخلة التي يغلب عليها التأمل في الحياة ومعطياتها، الرأي الأخير هو ما أميل إليه في استقراء الديوان.

دائماً ما تبرز لنا مقولة (أي. إي. ريتشاردز): «إن أهم ما يمتاز به الشعراءُ هو سيطرَتُهم على الألفاظ سيطرةً تدعو إلى الدهشة» 2 باعتبارها مقولةً توجه تتبع الناقد للسياق النصي، ولسياق الشعرية والصورة في التشكيل الشعري الحديث، خاصةً إذا ما استحضرنا معها مقولة (رومان يا كوبسون): «لقد أسلفت القول إن محتوى مفهوم الشعر غير ثابت وهو يتغير مع الزمن، إلا أن الوظيفة الشعرية- أي الشاعرية- هي، كما أكد ذلك الشكلانيون، عنصرٌ فريد، عنصر لا يمكن اختزاله بشكل ميكانيكي إلى عناصر أخرى.»3، فتصبح القضية ليست قضية سيطرة على الألفاظ فحسب، وإنما سيطرة ينتج عنها جمال شاعري.

إننا إذن إزاء عاملين أساسيين من عوامل الشعرية التي توجه وتحدد قيمة الجمال الشعري لأي ديوان، العامل الأول: القدرة على التحكم في الألفاظ، وهو تحكم يظهر في ألا نشعر في السياق اللفظي بأن الشاعر قد اضطر لاستخدام ألفاظ ليست مناسبة أو متناسقة مع سياقها، فيجدر أن نشعر بأنه من يقود الدِلالة المتولدة من تراكب الألفاظ معاً، وليست اشتراطات الدلالة هي ما يقوده، صحيح أن الشعر النثري الحديث لديه متسع في إظهار ذلك في ظل تحرره من الوزن والإيقاع، إلا أنه مع ذلك تبقى فكرة التناسب في اللفظ، والشعور بالتوافق بين الألفاظ وبعضها أحد العناصر المحدِّدة لهذه المسألة، وإن كنا حتى الآن لا نملك معياراً نقدياً متفقاً عليه لتحديد مقدار التناسب أو الترابط الموائم للألفاظ، إلا أننا نملك معياراً جمالياً عاماً نستشعر به الجمال من القبح دون القدرة على تحديد السبب المحدد لذلك.

أما المعيار الثاني، فهو ما يمكن أن نصوغه من مقولة (رومان ياكوبسون) بشكل آخر، إنه مقدار التجديد في الشعر، مقدار المغايرة في الصورة والتشكيل والتشبيه، والخروج بأفق القصيدة إلى اللامتوقع، ونلمس هذا منذ التقديم أو التوطئة أو الإهداء - وكلها وجهات نظر محتملة حول النص الاستهلالي الذي استهلت به (ندى الحاج) قصائدها - فتقول في نصها المعنون بـ «ابنته الذكرى وطريقه النسيان»:

«يوم لم تكن قد ولدتَ للنور والحرية والظلمة والوحدة والألم، لأن روحك لم تكن قد أطلقت الصرخة الأخيرة قبل الولادة، لأن حياتك لم تكن قد استحقت أن تُعاشَ بعد، كان ذلك يجري في الضِفة السابقة للألم، في الشرنقة وحدها.

كان بيتي هناك في الشرنقة السابقة للولادة، وكان شِعري خيوط البيت وظلاله.»

نراجع هنا العاملين المذكورين، هل هناك سيطرة على الألفاظ؟ نعم هناك سياق من الدلالة يوحي لنا بقدرة الشاعرة على تملك ناصية اختيار الألفاظ، تملك محور علاقات التركيب بتعبير (فرديناند دي سوسير)4، ونتأمل دليلاً على ذلك يظهر في التجميع السردي للعناصر الواردة معاً في قولها: «النور والحرية والظلمة والوحدة والألم»، كيف نفهم جمع هذه العناصر معاً؟ أليس «النور، والحرية» ضد «الظلمة، والوحدة، والألم»؟ وإذا ما اعتبرنا «الظلمة، والوحدة، والألم» عناصر سلبية في حياة الإنسان، فلماذا عددت مفرداتٍ سلبية أكثر من المفردات الايجابية المتمثلة في «النور، والحرية»؟

بعد التفكر في ذلك نستنتج أننا لا نستطيع أن نضع معياراً للنسبة والتناسب، لكن نقول إن تجميع هذه الصفات على هذا النحو، يوحي بأنه اختزال لكل ما يمر بنا في حياتنا، هذه الافتتاحية غير المحددة لعلاقتها التفصيلية بالنص - توطئة له أم جزء منه، والتي أميل إلى أنها مدخل تمهيدي يعمل كخلفية لفهم باقي القصائد، عن اعتبارها قصيدةً نثرية من بين قصائد الديوان، رغم أن الشكل التي صيغت به يحتمل هذا وذاك، لكنني أميل إلى ذلك لما يتميز به هذا المقطع من تدبر في حياة الإنسان بمجملها منذ الولادة حتى النهاية، ولما يمكن اعتباره تلخيصاً لمجمل الرؤية المقدمة في قصائد الديوان.

الأمر الثاني، أن هذا النصَ مشفوعٌ بتوقيعٍ من الكاتبة ذاتها، وكأنها أرادت منه للتعريف بنوعية الشعر الذي ترغب في أن يتلقاه القارئ، فجاءت خاتمة هذه القصيدة - التوطئة تقول فيها:

«عند عتبة الأحلام ينكسر زجاج النافذة الأول، حيث تطلّ العين من الشرنقة.

بين العتبة والطريق تتفلّت الرياح والحصى والذئاب والأجنحة

آه الأجنحة المُثقَلة بِوحْل الأقدام!

لو أنها تُقلِعُ بلا عودة»

وأنظر لهذه الخاتمة باعتبارها تأكيداً من الكاتبة على فكرة استقراء الكوني، وإعادة تقييم الحياة، الديوان إذن في إطار التأمل في حياة البشر في سعيهم لتحقيق السعادة لكنهم لا يجدونها، إنه يمثل صياغة شعرية لمفهوم كوني حول الواقع الذي يعيشه الإنسان، والعصر الذي تغيرت سماته كثيراً، لكنها من بين هذا الواقع معنيةٌ بحالة الشعور، وليس حالة الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة أو غيرها من الجوانب، فقط الشعور الداخلي للإنسان في هذا الزمن الصعب.

لقد استخدمت الشاعرة كثيراً أسلوب الدمج بين القصصي والشعري، أي الحكي من خلال الشعر، والشعر من خلال الحكي، لكن هل الحكي الشعري له ضوابطه الخاصة به؟ كان الدكتور (محمد عبد المطلب) قد اشار إلى أن القصيدة إذا استخدمت السرد، فيجب أن يكون في أعلى درجات الكثافة، متدفقاً، قابلاً للتأويل، متناسقاً مع الإطار الشعوري المستخدم فيه5؛ فلنراجع ذلك في قصيدتها المعنونة بـ «فصول»، تقول في بدايتها:

«سأخبركم قصة

أتلوها صلاةً على مسامعكم

أُنشدها حنيناً في قلوبكم

وأغلّفها هديةً يحملها هواءُ المطر

قصةٌ تبدأُ مع كل فصلٍ ولا تنتهي

لأن الشجرَ فيها لا تتساقطُ أوراقه

لا تشيخُ أغصانه ولا تذبلُ ثماره

قد تكونُ رائحتها من الجنّة وخمرها من فرح الجنّة

هي قصةٌ خيالها زبَد...»

نلاحظ أن الشاعرة تتحدث عن القصة التي سترويها، وتسبغ عليها بضع صبغات تمنحها نوعاً من الأسطورية والأهمية والقدسية، ونتأمل تنويعات الصورة التي تضفيها على قصتها، كأنها تعلق هالة من الأجراس على شجرة الميلاد، فهذه القصة صلاة، وأنشودة، وهدية مغلفة، وتبدأ مع كل فصل ولا تنتهي، ولا تشيخ، ورائحتها من الجنة، وخمرها من فرح الجنة. ترى أي قصة تلك التي تمتلك كل هذه العناصر؟

نكتشف مع قراءة القصة المذكورة في ثنايا القصيدة، أنها نوع من الحكي الأسطوري عن الحياة وتبدلات الزمن، عن فصول السنة الأربعة، بادئة من الخريف، ثم الشتاء، ثم الربيع، ثم الصيف، مانحة كل فصلٍ لوناً وحلماً وجمالاً خاصاً، إذن نحن لسنا إزاء سرد بمعناه التقليدي، رغم وجود الدالة اللغوية «قصة»، إلا أننا أمام استقراء كوني لأهم حدث من حولنا، هو دورة الزمان وتتابعه، وهذا الزمان بفصوله الأربعة تضفي الشاعرة على كل فصل صبغة خاصة، بادئة من الخريف الذي تمنحه اللون الذهبي والحلم الكثيف، والجمال الحالم، وهكذا تعدد وتنوع لفصول السنة الأربعة، لكل فصل لونه وحلمه وجماله الخاص، وفي كل فصل تحكي عن إنسانة ما، تتحرك وكأنها في فراغ مطلق، في ملكوت خاص بها، لا شيء معها سوى ذكرياتها ورؤيتها لمن حولها، تعكس وتصبغ مشاعرها على العالم، وليس العكس، وفي لغة تغلب عليها الرهافة، ومحاولة الإقتراب من هسهسة اللغة بتعبير (رولان بارت)6، أي الكتابة بدرجة من الشفافية والسهولة والوصول للمعنى - المحلق في الشاعرية - من أقرب طريق، تقول:

«نَثرتْ بين يديها غبار الذكرى

لملمتهْا بأنفاسٍ عالقةٍ بين الأغصان

لاحَ طيفها على الكمان

كادت تنطقُ

قبل أن يهربَ الوهم»

بينما نتهيأ للوصول إلى معنى متوقع من النطق، وأن نوجد نصاً أو عبارة عن استنطاق ما حدث للفتاة بطلة قصائد الشاعرة - أو الشاعرة ذاتها، مستنتجين ما حدث في فصل الربيع، نجد أفق المعنى يحيلنا إلى منطقة البحث عن حقيقة ما حدث، عن الوهم، فالمقابلة بين النطق الذي كاد أن يحدث، وبين هروب الوهم الذي تنهي به جملتها الشعرية تخلق حالةً من حالات الحيرة في الوصول للمعنى الذي نشعر به بداخلنا، لكن لا يمكننا صياغته في عباراتٍ محددة، وهذه المرحلة إذا حققتها كتابة ما، فإنها في تصوري قد حققت الشعرية المطلوبة لنصها.

عناوين القصائد ذاتها تثير كثيراً من المعاني المحلقة في ذهن القارئ، وأغلبها يأتي في صيغة المفرد، مثل: «فصول، جنّيات، وحدكَ، صوت، خيوط، خيال، غار، محيط، شذرات، أريج، رسْم، غسَق، تراب، الآتي، فجأة، سيول، مدارات، زُرقة، المرآة، فَوح، طيور، أيّ، تفلِت، رغبة، زاغت، ملح»، أو تركيباً ينحى منحة الاسم المفرد، بالوصف أو الإضافة، وليس المعنى المركب، فباقي القصائد تأتي على النحو التالي: ««ابنته الذكرى وطريقه النسيان، بوابةُ العبور، أثوابُ العشق، أيها الكاتبُ باسمي، فيءُ عينيك، بحيرةُ ذهب، ذاك الجرح، بين العين والسماء، ذاتَ عمر، جاذبنا ولا، أكثر من أيّ احتمال، بين الموج والرحيق، كلُّ لحظةٍ وردة كلُّ لحظةٍ أبد، أحبُّ الهواء، أعشاب الجفون، عارية الا منك، لا أدري، أسماؤنا العتيقة، ما من أحد، ريشةً ريشة، ناموا على العشب، ما يُحكى ولا، في بلادي»، وهنا نلاحظ أن حتى ما هو مركب من أكثر من لفظ واحد، ينحو للمعنى البسيط، وليس المركب في مؤداه.

إذن يمكننا القول إن سلاسة التعبير إحدى أهم التقنيات التي اعتمدت عليها ندى الحاج هنا، ناحيةً منحى يجمعُ بين الكونيّ والعاطفيّ والوجدانيّ، إنها رؤيةٌ للكونِ بعينِ الشعور الوجداني، أو رؤية للوجدان بعين متفاعلة مع الكون، عين متأملة في الرحلة التي تبدأ من رحم الأم، منتهية بالوصول لرحم الأرض، إنها حياة تمنحنا بعضاً من الحيوية لوقت ما، ثم تستردنا من جديد، الكون هنا مجرد رحلة لواقع الإنسان، أو مجرد حلم نحلمه ثم نصحو منه، وفي خضم هذه الرحلة التي تتبعها الشاعرة بألفاظ وتعبيرات محلقة في سماء الشعرية، متكئة على السلاسة والسهولة، مع التركيب البديع للتشبيه الإجمالي، نستمتع برحلة الديوان في الغوص في أعماق المعاني في روح البشرية، لعلنا الآن نفهم مقولة المطران (جورج خضر) التي أشار إليها في تقديمه، في رؤيته أن هذا الديوان الشعري يرسم بالنور في وجدان البشر.

شاعر وناقد مصري مقيم في الخارج

  1. - المطران جورج خضر : كشف قصيدة، ضمن ديوان: ندى الحاج: أثوابُ العِشق، HKI Logo (Publisher، 2010م، لبنان، ص 7
  2. - آي.إي ريتشاردز: العلم والشعر، ترجمة: د.مصطفى بدوي، مراجعة: سهير القلماوي، مكتبة الأنجلو، القاهرة، د.ت، ص46
  3. - رومان ياكوبسون: قضايا الشعرية، ترجمة: محمد الولي ومبارك حنون، دار تبقال للنشر، الدار البيضاء، 1988م، صـ19
  4. - ليونارد جاكسون: بؤس البنيوية الأدب والنظرية البنيوية، ترجمة: ثائر ديب، ط2، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2008م، سوريا، ص90
  5. - راجع: د.ميجان الرويلي، د.سعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، ط4، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب، 2005م، صـ273.
  6. رولان بارت: هسهسة اللغة، ترجمة: منذر عياشي، ط2، مركز الانماء الحضاري، 1999م، دمشق، ص115-116
كل المقالات