مقال فكري
إدوارد سعيد.. من الحفريات المعرفية إلى القراءة الطباقية
قراءة في مسيرة إدوارد سعيد الفكرية، من نشأته المضطربة بين فلسطين والقاهرة وأمريكا، إلى كتابيه «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية»، وصداقته الفكرية بمحمود درويش.
لماذا إدوارد سعيد؟ هناك إجاباتٌ متعددة واردة لهذا السؤال، تختلف باختلاف المنظور الذي ينظر منه الباحث في مسيرته وفي اقتراحاته الثقافية، ما بين الرؤية العلمية الموضوعية لعملية الاستشراق من ناحية، أو النظرة العقلانية لدور المثقف في المجتمع في مواجهة السلطة، ومواجهة المؤسسات ذات الغطاء الثقافي أو الدعائي من ناحية ثانية، أو النظرة النقدية البحتة التي تتأمل الكيفية العلمية التي استطاع بها إدوارد سعيد توظيف النظرية النقدية المعاصرة، وتفكيك البنى واستخدام منهج الحفريات المعرفية في التعمق في تفاصيل الأشياء، فضلاً عن الرؤية النقدية النافذة إلى جوهر الأعمال الأدبية والإبداعية، وقراءة ما وراءها من رؤى سياسية وإيديولوجية، أو كانت الرؤية من ناحية التفكير حول دور وإسهام إدوارد سعيد في نظرية ما بعد الاستعمار، وأثره في دعم روافد نظرية ما بعد حداثية ربما لم يقصد هو أن يُنشِئها ولكنه أصبح من أهم رموزها، ومن الذين يشار إليهم بالبنان في حقل تخصصاتها، أو كانت الرؤية متعلقة بالحالة الإنسانية الفريدة التي مَثَّلها إدوارد سعيد، عندما يعتبر مثالاً حياً للإنسان المعاصر الذي يعيش «خارج المكان»، يعيش حياة المنفى رغم إسهامه الأكاديمي والفلسفي وحضوره العالمي، إلا أنه يتملكه الشعور الدائم بأنه خارج المكان، يقول:
«والآن لم يعد يهمني أن أكون سوياً وفي مكاني – في البيت مثلاً-، بل إني لم أعد أغرب أصلاً في ذلك. خير لي أن أهيم على وجهي في غير مكاني، وألا أملك بيتاً، ولا أشعر أبداً كأني في بيتي في أي مكان، خصوصاً في مدينة مثل نيويورك حيث سأعيش إلى حين وفاتي.»1.
يعتبر إدوارد سعيد حالته الاستثنائية بكونه مواطناً عربياً حاصلاً على الجنسية الأمريكية مقيماً في نيويورك يُدرِّس في الجامعات الأمريكية، وفي الوقت نفسه مدافع عن القضية الفلسطينية ومواجهٌ للإمبريالية الغربية، وهي قمة التعبير عن حالة اللاسواء في التواجد في غير مكانه، أو الحالة التي تشير إلى مظاهر الارتباك الثقافي في العصر الحديث الذي يعيشه المؤلف، ولعل لنا أن نسأل الآن: كيف وصل إدوارد سعيد إلى هذه الحالة المتداخلة والمتناقضة؟ كيف أدت نشأته إلى هذا الوضع الفريد؟
ولد إدوارد سعيد في الأول من نوفمبر عام 1953 في القدس، ومن المفارقات أنه ولد على يد قابلة يهودية، وأشار إلى ما يحمله اسمه من مفارقة اقتران اسم إدوارد بسعيد، خاصةً أن اسم سعيد يكثر في أبناء عمومته، مع أنه لم يكن موجوداً عند جدوده، ولا يعرف من أين أتى، يبدو أنه اسم شهرة، فاسمه الحقيقي إدوارد وديع إبراهيم، من عائلة الخليفاوية من الناصرة، أسرته عربية وأصولها فلسطينية، بسبب اسمه الغربي "إدوارد" والشرقي "سعيد" عاش حياة طويلة من التردد والخجل، استغرق نحو خمسين سنة ليعتاد على "إدوارد" مع "سعيد"، وذلكَ نتاج تمسك أسرته بمحاولة الظهور بمظهر الأسرة الغربية رغم الأصول الفلسطينية، ثم النشأة المصرية، وعائلته المسيحية مكونة من سبعة أشخاص: والده ووالدته وأربع شقيقات هن: روزماري، وجين، وجويس وغريس، وأمه هيلدا. كانت أمه الفلسطينية من أصول لبنانية أبوها يوسف بدر أول قسيس إنجيلي يقيم في لبنان، عانى في نشأته وطفولته معاناة كبيرة، ورصد شدة والده معه، وعانى تدخل والده في مجريات حياته، فضلاً عن مشاكله الصحية من ضعف القامة وضعف البنية الصحية وعدم تأقلمه مع المجتمع المحيط الذي عاش فيه في بيئاتٍ اتَّسَمت بتعدد الجنسيات منذ كان متواجداً في مصر، ثم صراعه النفسي الذي أدى إلى فقدان ثقته في نفسه، ولكنه قاوم كل ذلك حتى استطاع أن يصبح صاحب مشروع فكري وسياسي، فهو لم يستسلم لنداءات النفس الضعيفة، بل انتصر على كل معوقاته، وحجز لنفسه مقعداً مع كبار المفكرين والمثقفين2.
هذا التعريف – على بساطته – بنشأته، أمر مهم جداً في معرفة أفكار ورؤية إدوارد سعيد، ولا يمكن فهم أفكار إدوارد سعيد بدون فهم النشأة الملتبسة التي نشأها، وهو ما دفعه لتأليف كتابه Out Of Place "خارج المكان"، وهو الكتاب الذي كان يُعبّر عن الحالة الثقافية التي يمثلها إدوارد سعيد، ما بين النشأة الفلسطينية والإقامة القاهرية، فإن والده كان حاصلاً على الجنسية الأمريكية، وهو أمر غيَّر في مسيرته كثيراً، خاصة أن والده كان حريصاً كل الحرص على تنشئه أسرة أمريكية الولاء، ومنحه ذلك امتيازات لم تُمنَح لغيره، فهو بدأ دراسته عام 1941م في إعدادية "الجزيرة" التابعة للمجلس الثقافي البريطاني في حي الزمالك، وفي هذه المدرسة اختبر أولى علاقاته بالمستعمر البريطاني، ثم مدرسة "القاهرة" للأطفال الأمريكيين عام 1946م في حي المعادي، والتي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية لاستيعاب أبناء موظفي شركات النفط ورجال الأعمال والسلك الدبلوماسي الأمريكيين، فانضم إليها إدوارد سعيد بصفته ابن رجل أعمال أمريكي، وهو لا يملك أدنى شعور بالانتماء إلى أمريكا، ثم التحق بمدرسة "سان جورج" في القدس عام 1947م، بعد أن سافر مع عائلته إلى القدس، وهي المدرسة الوحيدة التي شعر فيها بالتوافق النفسي مع طلابها، ثم مدرسة "فيكتوريا كولدج" عام 1949م، ثم مدرسة "ماونت هيرمون" عام 1951م بأمريكا، ثم التحق بجامعة "برنستون" في خريف 1953م، وتخرج فيها عام 1957م، وتعرف في الجامعة على التيارات السياسية الدارجة، ونشر أول مقال عن وجهة النظر العربية تجاه إسرائيل، وتعمَّقَ بداخله الشعور بالتناقص، ثم انتقل لجامعة "هارفارد" عام 1963م لينال منها شهادة الدراسات العليا، وأطروحته عن كونراد والتي سيكون لها أثرٌ لاحق في كتاباته، واستفاد في أطروحته من فيكو ولوكاش وسارتر وهايدغر، ثم بدأ العمل كأستاذ للأدب المقارن في جامعة "كولومبيا" عام 1963م، وعندما جاء عام 1967م، أحدث في وجدانه تغيراً جوهرياً، فقد بدأ يلمس جوهرية الصراع على فلسطين، والصراع العربي الإسرائيلي، أو إن شئنا الدقة الصراع الاستعماري الغربي – العربي، فتحولت كتاباته، واتخذ من معرفته ومعلوماته سبيلاً للدفاع عن القضية الفلسطينية، ولتحليل القوى والبنى الاستعمارية الغربية، والتي رأى أنها بنية استعمارية متسلحة بالعلم – حتى إن كان منحازاً – إلا أن شعار "المعرفة قوة" هو السبيل الذي غلب به الغرب الشرق، فشرع من داخل الغرب، يفكك بنية الهيمنة الاستعمارية3.
الخلفية السابقة مهمة جداً وهو ما أكده إدوارد سعيد نفسه في كتاباته، لأنها سمحت له بإصدار نوع جديد من أنواع الكتابة ربما لم يكن مألوفاً من قبله، وهذا النوع في جانب منه هو تقويض للهيمنة الغربية لكن من قلب الثقافة الغربية ذاتها، فعندما صدرَ كتابه المثير للجدل "الاستشراق" Orientalism، طرح فيه مجموعة من الأفكار ربما لا يمكن طرحها إلا من داخل البنية الثقافية الغربية ذاتها، فقد قدم نوعاً من المساءلة للخطاب الثقافي السلطوي الغربي، لكنها ليست مساءلة قادمة من الآخر ، وإنما مساءلة من داخل الأنا الغربي ذاته، يخلخل إدوارد سعيد قيم الأكاديمية الغربية بطرحه التساؤل: هل كان الاستشراق خطاباً معرفياً ودراسةً ثقافيةً بريئةً للشرق، أم خطاباً وظَّفَ أدوات المعرفة في خدمة مشاريع السيطرة والهيمنة؟ كيف أسهم الاستشراق الغربي في تقديم صورة عن الشرق بجعله خرافياً وغير عقلانيِّ وساكن ويحتاج دائماً إلى أن يُفهمَ ويُؤطَّرَ من قِبل الغَرب، إنه يخفي تحت لغته الأكاديمية المنمَّقة مزيداً من الرغبة في الهيمنة والسيطرة والإخضاع، بدءاً من كلمة الاستشراق التي هي غير محايدة في حد ذاتها، مروراً بتحويل الخطاب الاستشراقي إلى خطاب معرفة وقوة وهيمنة، فهو خطاب يتشكل من خلال مبادلاته مع السلطة السياسية والسلطة الفكرية والسلطة الثقافية والسلطة الأخلاقية4، إن الاستشراق قد جعل من الشرق آخر في مقابل الأنا الغربي، ويمكن تلخيص أهم الأفكار الواردة في كتاب الاستشراق في المخطط التالي:
مثَّلَ كتاب الاستشراق فاتحة نوع جديد من الكتابات، إذ لا تكمن أهمية الكتاب فيما طرحه من أفكار فحسب، بل في طريقة الكتابة ذاتها، في كيفية تحليل وتأويل النصوص، في الاستفادة من كافة إمكانات نظرية النقد المعاصرة في تفسير وتأويل النصوص الإبداعية والأدبية أو حتى نصوص الصحف والخطابات في المجالس العمومية وغيرها، كل ذلك قدم من خلاله إدوارد سعيد طريقة مختلفةً للتحليل المعرفي، فتحت باباً كبيراً لكثير من الباحثين من بعده في تناول الموضوعات الثقافية الخلافية والبينية. وإن كان إدوارد سعيد قد استمر في تقديم كتاباته المختلفة، وفي لعب دور جوهري في التعريف بالقضية الفلسطينية في الغرب الأمريكي، إلا أن المحطة الأكثر تأثيراً في مسيرته التالية في مؤلفاته هو كتابه "الثقافة والإمبريالية"، ذلك الكتاب الذي أشار في مقدمته إلى استغرابه من عدم تحقيق كتاب "الاستشراق" إفادةً علمية في الثقافة العربية على غرار ما حققه في الهند وباكستان واليابان5، ربما يرجع ذلك لطبيعة تعاملنا مع الاستشراق ومع الثقافة الغربية بوجه عام، إذ تتم النظرة غالباً من منظورين متناقضين، إما الرفض الكامل للثقافة الغربية، والعداء معها والهجوم عليها، وهو ما يقف حائلاً دون الاستفادة منها، ودون إمكانية تحقيق نفع حقيقي من خلالها، أو التبني الكامل مع ذوبان وفقدان للهوية العربية الإسلامية، وللخصوصية المكانية والجغرافية، فيسفر هذا التبني أيضاً عن عدم القدرة على تحقيق الاستفادة الكاملة؛ إذ ليس المطلوب نقل نتائج النموذج النهضوي الغربي، وإنما المطلوب ملاحظة أسس النموذج النهضوي وإيجاد نموذج خاص بالعالم العربي، إذ لكل نموذج مقوماته وخصوصيته وتجربته، وربما هذا ما يحول دون إمكانية تحقيق نموذج نهضوي عربي حتى الآن.
على أي حال فإن كتاب "الثقافة والإمبريالية" كتابٌ واعِد، من الكتب المثيرة للجدل أيضاً في مسيرة إدوارد سعيد، طرح فيه أ فكاراً عن تواطؤ الثقافة مع الإمبريالية، إذ في الوقت الراهن لم يعد الاستعمار العسكري أو السيطرة بالقوة هي الفاعلة في مجال الاستعمار، وإنما حل محلها السيطرة الناعمة، السيطرة عبر الروايات والفنون والخطاب الثقافي الذي يُكرِّس رؤية الشعوب المسيطَر عليها باعتبارها دونية وتحتاج إلى التهذيب، وقدم في هذا الكتاب قراءة نقدية رفيعة المستوى لأعمال أدبية كلاسيكية مثل أعمال جين أوستن، وكيبلينغ وكونراد، وفي خضم التحليل النقدي الواعي، يوضح كيف أن هذه الروايات تحمل بداخلها وعياً إمبريالياً، يعمل بطريقة خفية على تكريس مفاهيم التحضر المرتبط دائماً بحق السيطرة على الأرض، ليسود مفهوم "أنا أكثر تحضراً منك"، "أنا أمتلك حق السيطرة عليك". ومن ثم فإن الطريقة التي يقدمها سعيد في كتابه هنا لإعادة قراءة الروايات طريقة مختلفة، تركز على الما وراء نصي، فيصبح النص مرآةً عابرةً نافذةً إلى ميراث طويل من الممارسات القمعية، بيد أن الطريف أن هذه الممارسات تم منطقتُها وتهذيبُها ومنحُها صبغةً تهذيبيةً وقدراً من الشرعنة، عن طريق الإبداع والتأليف والروايات الخيالية.
كذلك في كتابه "الثقافة والإمبريالية" يعرض للإمبريالية الجديدة، وهي الحالة الأمريكية المقابلة لحالة الإمبراطورية القديمة التي لا تغرب عنها الشمس، لقد ورثت أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية مفاتيح الهيمنة على العالم، وهي أكثر وعياً بأهمية العناصر غير المادية في فرض السيطرة، فكانت هي سيد العصر الحديث عبر وسائل الإعلام والنظريات السياسية والحوارات والتدخلات الأمريكية النوعية في مختلف أنحاء العالم، يناقش إداوار سعيد أسس الهيمنة الأمريكية وفاعليتها والطرق التي تعمل بها، ويناقش في كتابه أيضاً فكرة مهمة جداً، وهي عدم الإغراق في الشوفينية، فالعالم الآن – من وجهة نظره – أصبح متجاوزاً القوميات الضيقة، وفكرة الصفاء العرقي وغيرها من الأفكار التي تعتمد عليها القوميات الوطنية، هو يدعو بدلاً من ذلك إلى «التعددية الثقافية» والرؤية المشتركة لجميع البشر باعتبارهم أصحاب تاريخ إنساني مشترك، وليسوا خصوماً6.
قد نختلف مع رؤيته بشأن التعددية الثقافية، لكن علينا أن ندرك أن سعيد يؤلف من داخل المنظومة الغربية ولأجلها أيضاً، بمعنى أن كتاباته موجهة بالأساس للثقافة التي يخاطبها، إنه لا ينطلق من موقع مقاوم بمفهومنا نحن كما نعتبر أنفسنا "آخرَ في موجهة الهوَ الغربي"، بل "هو ينطلق من داخل الأنا الغربي"، ويهدف إلى الإصلاح الداخلي الفكري الغربي الذي يعيد النظر للشعوب باعتبارها متساويةً في الإنسانية، هو لا يتحدث عن نهضة عربية أو قومية للأقليات، أو أي آلية أو فكرة تمنح المهيمَن عليه وسيلة أو آلية لمواجهة الهيمنة، فتفكيكه للبِنى الثقافية الغربية التي هيمن بها الغرب وسوَّغَ أخلاقياً أمام شعوبه احتلال الآخر واستباحته، ذلك ما يناقشه سعيد بطريقة جوهرية، لكن مشكلات "النحن" العرب في مقابل هيمنتهم "الهم" الغرب لا يتطرق إليها، لذا كان يتعجب ممن يضعونه في فعل مقاوم بمفهوم يختلف مع مفاهيم التعددية الثقافية.
قدم إدوارد سعيد العديد من المؤلفات الأخرى التي لا تقل قيمة عن سابقيها، والتي يناقش كل منها قضية وزاوية مختلفة، حيث يمكن تصنيفها معاً في تنويعات تخصصية مختلفة، ففي مجال النقد والأدب والاستشراق، قدم كتابه "البدايات: القصد والمنهج" (1974م)، "الاستشراق" (1978م)، و"تغطية الإسلام" (1981م)، و"العالم والنص والناقد" (1983م)، و"تعقيبات على الاستشراق" (1995م)، في مجال تقاطعات الثقافة مع السياسة، قدم كتبه: "الثقافة والإمبريالية" (1993م)، "مسألة فلسطين" (1979م)، "أوسلو: سلام بلا أرض" (193م)، "غزة أريحا: سلام أمريكي" (1995)م، "نهاية عملية السلام" (2000م)، "الإنسانية والنقد الديمقراطي" (2004م) [نشر بعد وفاته]، وفي مجال السيرة الذاتية قدم: "تأملات في المنفى ومقالات أخرى" (2000م)ـ "المتشابهات والمتناقضات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع" (2002م)، "خارج المكان" (1999م)ـ وكل كتاب منها له فكره الخاص وطابعه المميز.
جمعت علاقة صداقة فريدة بين الشاعر محمود درويش وإدوارد سعيد، منذ بداية تعارفهما في نوفمبر 1974م، حيث ذهب الشاعر محمود درويش مع ياسر عرفات ليلقي خطابه الشهير في الأمم المتحدة، ويقول درويش عن سعيد: «... هو ليس كما صوره بعض العرب بأنه نتاج ثقافة عربية استطاعت أن تجد نديةً في حوارها مع الثقافة العالمية، لا ... إدوارد سعيد هو نتاج الثقافة الغربية، وأحد كبار نقاده في نفس الوقت وارتباطه بالقضية العربية والفلسطينية هو ارتباط حر بحكم موقعه كمثقف يشعر بالمسؤولية تجاه القضية، لقد كان صوت القضية الفلسطينية بهذا المعنى ليس لأنه من أصل فلسطيني فلو لم يكن فلسطينياً لاتخذ نفس الموقف بحكم وعيه.»7
هذا وعي محمود درويش بحقيقة وقيمة إدوارد سعيد الثقافية، وهو ما كنا تحدثنا عنه سابقاً، يوضح أن الصداقة بينهما لم تكن مجرد صداقة عادية، بل صداقة فكرية بالأساس، قرأ كل منهما الآخر، وفهم أدواته جيداً، ووعى كل منهما حقيقة وقيمة الآخر، أدرك محمود درويش طبيعة إدوارد سعيد الفكرية، وهو الشاعر الذي يساهم بالرمز في الحديث عن القضية الفلسطينية، الشاعر الأكثر طلباً من قبل سِلطات الاحتلال الإسرائيلية، إنها صداقة محورُها النضال والنفي، تميزت علاقتهما بالحوار الدائم، لا سيما حول مفهوم الهوية الوطنية، وبينما طرح إدوارد سعيد مفهوم "القراءة الطِباقية"، ألَّفَ محمود درويش قصيدته "طِباق" رثاءً لهُ، والتي ينعكسُ فيها جانِبٌ من حواراتهما الثقافية، وقراءة محمود درويش وفهمه لأفكار إدوارد سعيد. كما أن سعيد كان يبدي تقديراً كبيراً لأسلوب درويش العميق.
- - إدوارد سعيد: خارج المكان، ترجمة: فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، 2000م، ص357 ↑
- - د.تركي بن خالد الظفيري: الاستشراق عند إدوارد سعيد - رؤية إسلامية، ط2، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، جدة - السعودية، 2015م ،ص16-21 ↑
- - راجع: خارج المكان لإدوارد سعيد، مرجع سابق. ↑
- - راجع: إدوارد سعيد: الاستشراق، ترجمة محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006م، ص58 ↑
- - إدوارد سعيد: الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب، ط4، دار الآداب، بيروت، 2014م، ص9 ↑
- - راجع: السابق. ↑
- - جمال عاشور: أسرار علاقة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش وإدوارد سعيد، مجلة البلد، شوهد يوم السبت 21//2026م، على الرابط: https://www.elbalad.news/5876133 ↑
